يرتبط الريال السعودي بعلاقة وطيدة مع الدولار الأمريكي من خلال نظام سعر الصرف الثابت الذي تنتهجه السلطة النقدية في المملكة. فالريال السعودي مثبت بقيمة ثابتة مع الدولار الأمريكي. لذا فإن السياسة النقدية في هذه الحالة غير مستقلة وتتأثر بالسياسة النقدية التي ينتهجها البنك المركزي الأمريكي. فمن خلال تأثر الدولار بـ حرب العملات، فإن الريال سيتأثر تبعا لذلك. وبسبب هذه العلاقة فإن قيمة الريال مقابل العملات الأخرى تحددها قيمة الدولار مقابل هذه العملات، بافتراض أن السلطة النقدية في المملكة لم تغير هذه العلاقة وتعيد تقييم الريال مقابل الدولار أو تفك هذا الارتباط.

ولمعرفة اتجاه قيمة الريال المستقبلية مقابل العملات الأخرى فلا بد أن نعرف اتجاه الدولار مقابل العملات الرئيسة. إن القيمة التوازنية لأسعار العملات العالمية في الأجل الطويل تحددها التغيرات الأساسية في الاقتصادات المحلية والاقتصاد العالمي. ومن أهم هذه التغيرات على المستوى الدولي: إطلاق اليورو، الذي شكّل في بداية 2001 حقبة جديدة في سوق صرف العملات الدولية ومنعطفًا تاريخيًا مهمًا مزاحمًا الدولار على زعامة الاقتصاد العالمي. وعلى الرغم مما تعانيه منطقة اليورو من ضعف البناء المؤسسي للسياسة المالية، والتي حاولت دول أوروبا تلافيها بعد أزمة اليونان حتى استطاعت أن تكسب ثقة الأسواق النسبية، إلا أن اليورو يشكل عملة دولية لها ثقلها في الاقتصاد العالمي، وتشكل أوروبا كتلة اقتصادية بعملة واحدة هي الأكبر في التبادل التجاري العالمي.

كما تمثل التغيرات النسبية والمساهمة في إجمالي دخل الاقتصاد العالمي متغيرًا جوهريًا في تركيبة الاقتصاد العالمي. فالمساهمة النسبية للاقتصاد الأمريكي في نمو الاقتصاد العالمي تتناقص لصالح الدول الناشئة مثل: الصين، البرازيل، الهند، روسيا. وقد تنبأت دراسة نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي للدول الصناعية عام 2005 بانخفاض حجم الاقتصاد الأمريكي في الاقتصاد العالمي من 20.6% إلى حدود 17% بحلول 2030، مقابل زيادة حجم الاقتصاد الصيني ليمثل ما لا يقل عن 23% من الاقتصاد العالمي، كما سيزداد حجم الاقتصاد الهندي ليمثل ما لا يقل عن 10%. وهذه الدراسة لم تأخذ في الاعتبار تأثير الأزمة العالمية في 2007، التي ستسرع التغير قبل الوقت المتوقع.

فقد أدت الأزمة العالمية 2007 إلى زيادة المشاكل التي يعانيها الاقتصاد الأمريكي وارتفاع الديون للدخل القومي التي بلغت 69% ومن المتوقع أن تصل إلى 100% في 2011، ما يشكل أحد أهم التهديدات للنمو الاقتصادي وقيمة العملة في المستقبل. وهذا ما دفع الحكومة الأمريكية إلى ضخ الدولارات من خلال سياسة التسهيل الكمي، التي أثرت على قيمة الدولار في الأجل القصير. وكنتيجة لهذه الأزمة فقد طالبت دول، منها الصين، بالبحث عن بديل للدولار كعملة احتياطي عالمية. كما عمدت الصين إلى توقيع اتفاقيات ثنائية مع بعض الدول للتبادل التجاري بعملاتها الوطنية بدلًا من الدولار، إضافة إلى تقليل احتياطياتها من الدولار والاتجاه لاقتناء الأصول الحقيقية.

ومن أهم التغيرات في هيكل الاقتصاد الدولي أيضًا هو نمو التجارة البينية بين الدول النامية، مما يعكس ضعف العلاقة الرأسية السابقة مع الدول الصناعية. كما أن الأزمة المالية 2007 أثرت على توجهات المستثمرين وقياسهم للمخاطر تجاه استثماراتهم في الدول النامية. وبسبب الانفتاح الاقتصادي تقاربت بيئة الاستثمار في الدول النامية والأنظمة والقوانين المرتبطة بالاستثمار الأجنبي مع الدول الصناعية، مما جعلها تنافسها في جاذبية الاستثمار.

فنسبة حجم السوق المالية في أمريكا انخفضت من 53% في عام 2000 إلى 41% في عام 2009، بينما في آسيا ارتفعت من 16% عام 2000 إلى 31% عام 2009. كما أدت توقعات النمو الإيجابية في الدول النامية الصاعدة، والنظرة التشاؤمية تجاه نمو اقتصاديات الدول الصناعية، إلى تدفق الاستثمارات إلى الدول النامية الصاعدة. فقد بيّن تقرير الاستثمارات الأجنبية المباشرة FDI للأمم المتحدة أن الشركات العالمية تضع في خطتها الاستثمار في الدول النامية خلال السنوات الثلاث القادمة مقارنة بالدول الصناعية.

تعكس هذه المتغيرات تغيرًا في هيكل الاقتصاد العالمي والعلاقات الاقتصادية ومراكز القوى، مما ينعكس على أقيام العملات لأنها تعكس المتغيرات الأساسية في اقتصاديات الدول والاقتصاد العالمي. لذا فإن انخفاض الدولار مقابل العملات الرئيسة يعكس التغيرات الهيكلية طويلة الأجل في الاقتصاد العالمي، في حين يعكس على المدى القصير السياسات النقدية والمالية الأمريكية.

والقضية المهمة: هل سيستغرق هذا التغير وقتًا أطول، أم أن التغيرات ستكون متسارعة بشكل يصعب على الاقتصاد العالمي امتصاصها، مما يؤثر في نمو الاقتصاد العالمي وقد يدخل العالم في كساد اقتصادي كبير؟ ولأن الريال مثبت مع الدولار، فإن ما يجري على الدولار سيجري على الريال. لذا تطرح هذه التغيرات أهمية إعادة النظر في السياسة النقدية للمملكة، ودراسة فك الارتباط بين الريال والدولار، واختيار النظام النقدي المناسب للمملكة الذي يأخذ في الاعتبار الأهمية النسبية للنفط للاقتصاد السعودي والتغيرات الهيكلية في الاقتصاد العالمي ليحقق أكبر منفعة للمواطن ويعظم الرفاه الاقتصادي للأفراد.