يعتمد النمو الاقتصادي من بين متغيرات اقتصادية كثر على المستوى الصحي للأفراد، حيث الحالة الصحية المتميزة للأفراد تنعكس إيجابا على إنتاجيتهم، ومستوى الإنتاجية الفردية إحدى أهم أدوات التنافسية بين الدول. الإنتاجية الفردية العالية تخفض التكلفة الفعلية للمنتجات المحلية، وذلك للعلاقة بين تكاليف الإنتاج وعدد الساعات اللازمة للإنتاج وكفاءة أداء العاملين. لذا اهتمت الدراسات الاقتصادية بإنتاجية العامل وتحديد العوامل المؤثرة فيها للعمل على تحسينها وتوظيفها لرفع الإنتاجية، التي تنعكس إيجابا على المنشآت العاملة في الاقتصاد، ومن ثم على الاقتصاد الكلي وعلى النمو الاقتصادي. ما أدى إلى تركيز الدول على تحسين الخدمات الصحية ومراقبتها في القطاع الخاص لضمان جودتها وتقليل نسبة الأخطاء والهدر في العنصر البشري. وتعتمد جودة الخدمات الصحية على عاملين رئيسين: الإنفاق وكفاءته والأنظمة والقوانين.

ويمثل الإنفاق على الصحة وكفاءته أحد أهم المؤشرات التي تعكس الاهتمام بهذا القطاع وتأثيره في صحة المواطنين وإنتاجيتهم، وهو مؤشر على الاهتمام التنموي بالرعاية الصحية. حيث تزداد نسبة الإنفاق على الرعاية الصحية من إجمالي ميزانية الحكومة للدول التي تضع الرعاية الصحية في أولوياتها التنموية، وذلك لارتباط الإنفاق وكفاءته بجودة الخدمة والآثار الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة في الاقتصاد المحلي من تقديم الخدمة. وينعكس الإنفاق على الرعاية الصحية على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين إذا روعي فيها الكفاءة في الإنفاق والتوزيع العادل للخدمات الصحية على مستوى الدولة لتصبح في متناول جميع طبقات المجتمع وبالجودة نفسها. وهذا يحتم دورا أساسيا للحكومة في تقديم الخدمة لتغطية الطلب في حالة عجز القطاع الخاص عن ذلك، لأنها في نهاية الأمر هي مسؤولية الحكومة، وتنظيم ومراقبة الخدمة المقدمة من الجهات الخاصة لضمان الارتقاء بمستواها لتحقق الهدف منها في تقديم خدمات صحية تضمن من خلالها جودة الخدمة وتقليل الخطأ لتنعكس إيجابا على حياة الأفراد.

ولمعرفة الاهتمام التنموي بين دول العالم بالرعاية الصحية وما يتم تخصيصه في الدول المتقدمة اقتصاديا والدول النامية، فالبيانات التالية تقارن بين متوسط الدول الصناعية والنامية ونسبة ما هو مخصص في المملكة. ولعدم توافر معلومات عن كفاءة الإنفاق فإن التركيز سيكون على مقارنة الإنفاق بين دول العالم حسب بيانات منظمة الصحة العالمية (WHO) لعام 2009، فمثلا:

  • الإنفاق على القطاع الصحي كنسبة من إجمالي الدخل المحلي:

    • متوسط الدول الصناعية: 9.5%

    • متوسط الدول النامية: 5%

    • المملكة: 5% (تماثل مصر، وأقل من نيجيريا، إيران، أذربيجان).

  • الإنفاق على الصحة كنسبة من الإنفاق الحكومي:

    • الدول الصناعية: 16%

    • الدول النامية: 8%

    • المملكة: 8.4%

  • الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية للفرد (بالدولار حسب القوة الشرائية):

    • الدول الصناعية: 2300 دولار (وتصل في بعض الدول إلى 4000 دولار)

    • المملكة: 770 دولارا

  • نسبة مساهمة القطاع الخاص في إجمالي الإنفاق على الرعاية الصحية:

    • الدول الصناعية: 20%

    • الدول النامية: 50% تقريبا

    • المملكة: 33%

  • عدد الأطباء لكل عشرة آلاف مواطن:

    • الدول الصناعية: 30 طبيبا

    • المملكة: 16 طبيبا

تبين المقارنات أعلاه أن الإنفاق كنسبة من الدخل أو إنفاق الحكومة على الرعاية الصحية في الدول المتقدمة اقتصاديا أعلى من نظيره في الدول النامية، على الرغم من أن الدول الصناعية تنتهج آليات السوق وتقلص دور الدولة في الشأن الاقتصادي، وأن القطاع الخاص هو الأساس في تقديم الخدمات. لكن لأن جزءا كبيرا من خدمات الرعاية الصحية لا يمكن توفيرها من خلال آليات السوق، فإن الحكومات في الدول التي تهتم بالآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه الخدمات على الرفاه الاجتماعي والاقتصادي للأفراد تعمل دائما على توفيرها وإتاحتها للمواطنين.

فهيمنة القطاع الخاص على تقديم الخدمة مع غياب الحكومة عن القطاع، وضعف الخدمات المقدمة من القطاع الحكومي، وغياب التشريعات الحكومية المناسبة ومراقبة تنفيذها لضمان مراقبة أداء الخدمة في القطاع الخاص، تؤدي إلى تحويل حياة المواطنين وصحتهم إلى مصدر ربح للقطاع الخاص لتعظيم أرباحه على حساب المجتمع.

وأهم ما يتم استنتاجه من المقارنات السابقة بالنسبة للمملكة هو ضعف نسبة الإنفاق على الرعاية الصحية بالنسبة لميزانية الحكومة أو كنسبة من إجمالي الدخل المحلي مقارنة بالمتوسط العالمي، ما يثير سؤالا عن الأهمية التنموية للرعاية الصحية. هذا الانخفاض في نسبة ما يتم إنفاقه على الرعاية الصحية أدى إلى شح الرعاية الصحية مقارنة بالطلب وضعف الجودة ورداءتها لتصبح الخدمات الصحية في القطاع الحكومي طاردة للمواطنين.

هذا الشح في الخدمة من القطاع الحكومي ورداءتها خلقا فرصا استثمارية للقطاع الخاص للاستفادة من عجز العرض الحكومي لتلبية الطلب المحلي على الخدمات الصحية، وهذا يفسر ارتفاع نسبة مساهمة القطاع الخاص (33%) في إجمالي الإنفاق على الرعاية الصحية في المملكة. حيث نسبة مساهمة القطاع الخاص في المملكة مقارنة بمتوسط الدول الصناعية مرتفع، ما يعكس ضعف الخدمة المقدمة من القطاع الحكومي وبروز فجوة طلب خلقت فرصا استثمارية للقطاع الخاص لتقديم الخدمة في غياب للتشريعات الصحية وضعف الرقابة على الأداء. وهذا يفسر جزئيا رداءة جودة الخدمات الصحية في القطاع الحكومي وهروب المواطنين للقطاع الخاص بحثا عن رعاية صحية أفضل، الذي في غياب التشريعات والرقابة الصارمة يغلب عليه الطابع الربحي ليصبح المواطن “كالمستجير من الرمضاء بالنار”.

(المصدر)